ابداع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الشاعر العربي محمد العيد آل خليفة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 14/07/2010

مُساهمةموضوع: الشاعر العربي محمد العيد آل خليفة   الإثنين يوليو 19, 2010 2:47 pm


(والمرأة رمزاً وموقفاً)


الشاعر العربي:
هذا النغم الشعري (الإسلامي العروبي المغاربي) الذي أختاره للحديث اليوم بمناسبة ذكرى وفاته (العشرين): بكّر في العصر الحديث لحمل الهمّ (المغاربي العربي، الإسلامي) فضلاً عن همّه الشخصي القاسم ظهره منذ فجر شبابه، وهو في العشرين، حين شرع يمارس (مسؤولية الكلمة): تحريراً وقولاً، مقروناً بالفعل النضالي النهضوي في المؤسسة التعليمية…
هو الشاعرالجزائري، محمد العيد آل خليفة (1904-1979م)، الذي كان شعره في (الجزائر) خصوصاً، وفي (المغرب العربي) عموماً، صوت العروبة والإسلام.. في مقارعة المحتل الأوروبي الفرنسي النصراني، فحمل لذلك أكثر من لقب واحد، منها "شاعر الشباب".. في فترة مبكّرة، و"أمير شعراء الجزائر"، و"شاعر المغرب العربي"، و"رائد الشعر الحديث"، في الجزائر خصوصاً، وفي (المغرب العربي عموماً).. لأن شعره كما حكم عليه أمير البيان المغاربي (محمد البشير الإبراهيمي)، هو: "أول شعر حيّ رافق النهضة العامة وحدا قوافلها المغذّة فأطرب، وأوّل شعر جرى في عنانها وسجّل مراحلها"..
فهو في تقييم (الإبراهيمي) من أساطين النهضة الحديثة أدبياً وفكرياً في (المغرب العربي) ومن القوّامين "عليها بجدّ وصدق".. وهي (قوامة) كانت تتطلب من (محمد العيد).. و"نفر قليل.. أن يهدموا ويرفعوا الأنقاض، ويبنوا ويشيّدوا، ويعمّروا ويربّوا، ويعلّموا، كل ذلك في آن واحد، وأن يحاربوا عدّة أعداء في عدة ميادين، يحاربون الاستعمار، ويحاربون التدجيل في الدين، والضلال في العقائد، ويحاربون الإلحاد، كلّ ذلك مع قلّة الأنصار، وقلّة المال"، حسب تعبير (الإبراهيمي) الذي يضيف قائلاً:"إن لمحمد العيد الشاعر أثناء الاحتلال الفرنسي: دعوات صارخة إلى الثورة‎، في الوقت الذي كانت فيه كلمة الثورة بلفظها المفرد كافية لنزول العقاب الأليم بلافظها قبل أن يتم تركيب الجملة"..
ولد الشاعر في: (27-5 -1323هـ / 28-8-1904م)، في قرية (عين البيضاء)، حيث شرع يتلقى مبادئ العربية، وتابع دراسته في (بسكرة) قبل أن ينتقل إلى (تونس) سنة (1921م) ليقضي سنتين طالباً في (جامع الزيتونة) عاد بعدها إلى (الجزائر) مسهماً بما له من معارف في التعليم، مشاركاً في الحياة الأدبية بشعره، فعلم في مدارس (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) كما تولّى إدارة بعضها وهي "مدرسة الشبيبة الإسلامية"، في (الجزائر) العاصمة، من سنة (1928م) حتى سنة (1940م)، و"مدرسة التربية والتعليم"، في (باتنة) من: (1940) إلى (1947م) ثم (مدرسة العرفان)، في (عين مليلة) من (1947م) حتى (1954م) أي سنة اندلاع الثورة التحريرية، وفي هذه المدرسة الأخيرة قبض عليه ليسجن في (قسنطينة) ويحاكم، ثم يفرج عليه، وتفرض عليه (الإقامة الجبرية) في بيته بمدينة (بسكرة) حتى الاستقلال سنة (1962م)..
كان الشاعر (محمد العبد) إلى جانب عمله في التعليم يسهم بفكره وبشعره، في الصحف العربية الجزائرية الوطنية، خصوصاً صحف (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)، وكان عضواً في (الجمعية) منذ تأسيسها (سنة 1931) ملتزماً خطها الوطني الإصلاحي، وحين فرضت عليه (الإقامة الإجبارية) وحظرت (جمعية العلماء) سنة (1956م) رسمياً، غرق في الصمت إلا ماكان يكتب سراً من شعر، ثم يمزّقه خوفاً من المداهمات الدورية لجنود الاحتلال الفرنسي، فاستمرّ على ذلك حتى الاستقلال الذي سعد به كثيراً، فقال: إن ذلك كان أكبر أحلامي التي تحققت، فما كنت أحسب أنني سأعيش لأشهد استقلال (الجزائر) ورحيل قوافل المحتلين؛ بمجنزراتهم ودباباتهم وطائراتهم، وبعض أعوانهم (الأعيان)..
لكنه أدرك الاستقلال وقد أحدث فيه جهد السنين أثراً بالغاً، مع ذلك قاوم معاناته المتعددة المصادر والوجوه: فمضى حادياً للأمل العربي في ثورة (الجزائر)، المنتصرة، وبعد انتصارها تحقّقت أمنيتاه التاليتان أداء فريضة الحجّ على نفقة (وزارة الشؤون الدينية) ونشر ديوانه الضخم على نفقة (وزارة التربية الوطنية) قبل أن تداهمه المتاعب الصحية، فيقبع لائذاً بالصمت في بيته بمدينة (بسكرة) أو بمدينة (باتنة) صيفاً، حيث لقي في هذه الأخيرة ربّه يوم ( 7-9-1399هـ/ 31-7-1979م) ليدفن في (بسكرة) تاركاً الأثر الطيب والذكر الحسن، وآثاراً أدبية فكرية أهمّها ديوانه الشعري الضخم الذي ضمّ معظم الأغراض الشعرية، من أهمها شعر النضال السياسي والاجتماعي والإصلاحي، لكن الحس القومي (عربياً وإسلامياً)، يبقى حجر الزاوية في الديوان، توقاً لصفوف تتراص، وتتعاون على رقي الأمة العربية:
ملء القلوب وعهدنا المتأبّد..
وليحيى في ظلّ العروبة ودّنا

وكثيراً ما كانت كلمة "آل" في اسمه الكامل موضع تساءل وسؤال، فلعلّه عناها بالرد عن السائلين حين قال مؤكداً انتماءه لغة وديناً:
عليّ وعن شعري وعن كنه مطلبي
يسألني عن نسبتي كل وافد

وديني هو الإسلام والقدوة النبي.
فقلت لهم أرض العروبة موطني

فالشيخ (محمد العيد آل خليفة) شاعر المغرب العربي إبّان الكفاح التحريري والنضال السياسي قبله يعتبر صوتاً قومياً متميزاً بمواقفه الفكرية التي عكسها شعره الذي رافق مرحلة اليقظة والإصلاح، والنضال السياسي منذ عشرينات القرن الذي كان شاهد حق عليه، شاهدا على جرائم البغي الأوروبي، والاستعمار الفرنسي، وشاهدا على كفاح أمة عربية لا تهن، ولا تستكين، دفاعاً عن وجودها، وهويتها الحضارية كما عكس تمسكها بالعربية لسانا، وبالإسلام عقيدة وحياة؛ فجسّد شعره جوانب مختلفة ممّا كان ويتفاعل في المحيط حتى مطلع السبعينيات، من قضايا وانشغالات، وطموح وآمال فكان بذلك نغماً جوهرياً في صوت الجزائر بوجهها العربي الإسلامي، وملامحها الإنسانية، منساقاً في كل الأحوال لقيم الخير والحرية والعدل والمودة والمحبة، والرحمة والتكافل والبذل، مما يعكس حقاً شخصية شاعر فنان يهزّه الحدث الكبير، كما تطربه اللفتة الصغيرة والصورة الجميلة، مثل الفكرة العابرة..
ورغم ما قدّم عن شعر (محمد العيدآل خليفة) من دراسات، وبحوث أكاديمية، فأحسب أنه لا يزال منجماً زاخراً للبحث، لم يطرق الدارسون بعض (مجاهله) وأغواره، كما لم يعنوا بعد، بالجانب الشخصي الخاص، والاجتماعي العام، كما عكسهما شعره، وحده من دون حاجة إلى شواهد مادية، ولا
وثائق ثبوتية..
ولعلّ من أبرز الأشياء الصغيرة الدالة في شعر (محمد العيد) التي بقيت بعيدة عن الضوء، موضوع(المرأة) رمزاً وموقفاً،مما أوثر أن أجنح إليه، وهو غير مفصول عن وجدانه القومي..
ثانياً:المرأة رمزاً وموقفاً في شعر (العيد):
المرأة في أدب المغرب العربي عموماً، والجزائري خصوصاً بدأت تطلّ في الحركة الشعرية منذ فجر تاريخها على استحياء، بل إن أول شاعر على مستوى المغرب العربي الإسلامي في القرن الثالث الهجري لم يذكرها بكلمة واحدة، فيما انتهى إلينا من شعره: بكر بن حماد (200-296) وبقي ورودها متردّداً بعد ذلك في العهد (العبيدي ـ الصنهاجي) أما في العصر الحديث فقد تواجدت بأشكال مختلفة، بدت في أول الأمر أكثر ارتباطاً بالمطلب الجسدي لدى (الأمير عبد القادر) نفسه (1807-1883)، في القرن التاسع عشر الميلادي، وكذلك استمرت في مطلع القرن العشرين، لكنها سرعان ما أخذت دورها كما قرّرته له طبيعتها ومحيطها الجزائري نفسه، وإن برؤى عديدة، بل مختلفة لدى الشعراء الجزائريين، حتى لدى الشاعر (محمد العيد آل خليفة) رحمه الله(1904-1979)، الذي شئنا أن نتناول هذا الجانب في شعره؛ بعنوان:"المرأة رمزاً وموقفاً…."، من خلال ديوانه الضخم الذي يبلغ ست مئة صفحة (600) من الحجم الكبير(1) وهو مجلّد ثري بالقضايا والمواقف الفكرية والاجتماعية والسياسية وسواها.
والشاعر الجزائري (محمد العيد) من مواليد (1904م) بعين البيضاء، درس في الجزائر، وفي تونس، وعلّم منذ مطلع شبابه في مدارس جمعية العلماء، وتولّى إدارة أكثر من مؤسسة تربوية لهذه الجمعية، كما كان صاحب الحضور الواضح شعرياً في الصحافة العربية الجزائرية إبان الاحتلال الفرنسي، حتى قبض عليه بعد اندلاع ثورة التحرير بشهور، فزجّ به في السجن، ثم فُرضت عليه الإقامة الجبرية في بيته بمدينة (بسكرة) حتى الاستقلال، حين استأنف نشاطه الشعري رغم المتاعب الصحية، وكانت آخر قصيدة له سنة 1972م، في الذكرى العاشرة للاستقلال، التزم بعدها الصمت حتى لقي ربّه سنة 1979، بمدينة (باتنة) ليُدْفَن في (بسكرة) مخلّفاً وراءه أهمّ أثر له وهو ديوانه الشعري الضخم الحافل بالقضايا الكبرى ذات البعد الوطني والإنساني والاجتماعي، إلى جانب القضايا العامّة الصغيرة ذات الدّلالات المختلفة.
ومن أهمّ ما يلفت النظر في ديوانه (محمد العيد) إطلالَةَ المرأة على استحياء فيه، ولكن للإطلالة مذاقها الشعري: فكرياً وفنياً، واجتماعياً، وسياسياً، فإن لم يكن من الذين انجذبوا كثيراً للمرأة في صورتها المادية الصارخة غزلاً وتشبيباً، فقد انجذب إليها من زاوية وطنية وإنسانية، موظّفاً إيّاها كرمز في حب الوطن، متوسّلاً بها كعنصر فاعل في التغيير السياسي والاجتماعي، وفي بناء الأمم، من دون أن يهمل الجانب الآخر، وهي كونها إنساناً له همومه، وقضاياه، ومن دون أن تغيب أيضاً هذه المرأة تماماً كمصدر للوحي ورمز للجمال، ومطلب أيضاً للرجل تتعاضد في هذا المطلب رغبات الجسد والروح، وإن ورد ذلك بشكل موح غير سافر في معظم الحالات، وهو يصفها وصفاً مباشراً، أو يعالج قضيتها، أو يتوسل بها رمزً.
هذه الملاحظات العامة كمقدّمة للحديث عن المرأة رمزاً وموقفاً لدى الشاعر (محمد العيد آل خليفة) تسمح لنا بمباشرة الموضوع انطلاقاً منها كرمز أولاً:
المستوى الأول:
لقد أطلّت المرأة في شعر (العيد) منذ البدايات الأولى في تجاربه الشعرية من زاوية مادية، موشّاة بقيم جمالية في المرأة لدى الشاعر، لم تخرج فيها الرؤية لديه عن قيمه الموروثة من الشعر العربي، وأول النماذج المبكرة في ذلك، قصيدته" آفة العين" حيث يصوّر الأثر الشديدة للنظرة الفاتنة، من عينين جميلتين فوقهما حاجبان دقيقان فبدا ذلك رمز فتنة ولحظة امتحان، في تجربة ينبغي الخلاص منها، كما كتب سنة 1936م:
ما لطرفي رنا
حولَهُ فافتتنْ

سامني في الدُّنا
بالضني وامتحنْ

يا مذيقي الضنى
لا طعمت الوسن

يا لرام رما
ني بقوسين

أفة العين ما
آفة العين

نظرة عن سؤال
نظرة عن رجاء

فإذا الرّشد زال
وإذا الغيّ جاء

فافتكرْ في المآلْ
إن أردْت النجاءْ

لا تُشرْ للحِمَا
م بهُدْبَيْن

آفة العينيِ مَا
آفة العين(3)

وتبدو هنا النزعة الدينية واضحة في مقاومة الإغراء، وردع نوازع النفس، بالتفكير في المآل بالآخرة، وللخلاص من نظرات الفتنة، والإثارة لدى المرأة في نفس الرجل، ودفع ذلك بغضّ البَصَر، ولو تطلبَ الأمر تمنّي (العَمَى) على السقوط صريع نظرة وحاجبين:
حِ بغضّ البَصَرِ
فادْرع للْملا

غارة الزّينْ
ذُدْ ولو بِالعَمى

آفة العين
آفة العين ما

وإن بدا الرّمز هنا مبسطاً، في استغلال عناصر جمالية في المرأة مركبة من صورة توفرت على عناصر الملاحة، وقد تعاضد فيها جمال العينين والحاجبين، الذي يبقى في جميع الحالات جمالاً مباشراً، لم يلبث الشاعر حتى تاق للخلاص منه تحت صوت الوازع الديني أولاً وأخيراً..
هذا الوازع الديني هو الذي جعل المرأة هنا تستحيل رمز فتنة وغواية، بأسلحة مادية، تتجه إلى الشعور والغريزة مباشرة، فكادت صورتها تستحيل رمزاً للشيطان، أي رمزاً للغواية، كما نرى في قصيدة (فتاة العصر):
في الرأي فاقرأ عليها سُورة النّور
في كلّ مرحلة تزداد ظُلْمَتُها

وبقدر مافي سورة (النّور) من ردع و(حدود) ووعيد وغيره، ففيها تحذير أيضاً من الانسياق وراء الشيطان، كما في الآية الواحدة والعشرين: "يا أيّها الذين آمنوا لا تَتّبعوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومن يتَّبِعْ خُطُواتُ الشَّيطان فإنِّهُ يأمُرُ بالفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ"..
وتبقى المرأة هنّا رمزاً مبسّطاً للإغراء بالإثم، يكاد لا يبرح السطح من زاوية دينية خالصة، وهو أمر طبيعي لدى شاعر إصلاحي، نشأ في أحضان بيئة محافظة تحدّد مهام المرأة، وتحدّ من صلاتها بالمحيط العام، اتقاء لعواقب ذلك: فتنة وضياعاً لكرامتها، وامتهاناً لأنوثتها نفسها.
وقد تستحيل المرأة رمزاً للغموض السحري، والغيبيات الأسطورية في عالم الجنّ، لكنه هنا ترد عرضاً والشاعر يخاطب الحكم الفرنسي الاحتلالي سنة (1937) من خلال مناجاته نهر (السان) في (باريس): فيتحدث عمّا قدّمه الجزائريون من تضحيات في الوقوف إلى جانب (فرنسا)، الاستعمارية في الحرب العالمية الأولى من دون أن تعيد إليهم حقوقهم المغتصبة، التي بدا كأن نهر (السان) يحول دون وصولها، فهي حقوق ضائعة ضياعاً أجبره على التساؤل عن غموضها نفسه وتيهاً وراء ذلك الضياع والغموض..
عن كلِّ قاص من الرّائينَ أو داني
أمْ أَلْحقتِ بِبَناتِ البحرِ فاحتجبتْ

إلى هنا بقي الرّمز مبسّطاً، في مستوياته الأولى لكنه سرعان ما يشرع يتّسع فكرة، وأُفُقاً، ورُؤَىً، متجاوزاً هذه المرحلة إلى مرحلة ذات ظلال صوفية، في خطابه (بنات الجِنَان) أي (بنات الجنّة) التي قد تكون فردوساً أرضياً أوسماوياً،رامزاً بالصورة الأولى المادية المرئية إلى الثانية الرّوحية المتخيّلة، كما توسّل بالمرأة البشرية إلى تلك التي يبدعها خياله:
يا بناتَ الجنّان
يا بنات الجنّان اسفري

في قديمِ الزّمان
اذكري يوم كنّا اذكري

في العَلالَي حِسان
نتناجى على عبقري

…………………………. ………………………
وصَفَا في الكؤوسِ
يا رحيقاً حَلاَ في المذاقِ

طائفاً بالشّموس
خفَّ ساقيه مثل البُراقِ

منْكِ تحيي النُّفوسِ
حبَّذا رَشْفُ كاسِ دِهَاقِ

وقد صارت المرأة هنا (رمزاً)، (الحوريات) (الجنّة) ينحو نحواً صوفياً في التفكير والتّصوير، كما استمدّ الشاعر من صورة مادية لحدائق (الحياة الدنيا)، صورة أخرى للحياة، (الآخرة) التي وعدَ الله بها عباده المتّقين، كما ورد ذكرها في القرآن الكريم.
فالصورة الشعرية اتكأت على الظلال القرآنية في الرمز لشيء غير مُحَسّن، بشيء مادي ملموس..
نشير بهذا إلى مستوى من التّصوير لدى الشاعر، ابتداء من الكلمة نفسها كمفردة تحمل قيمة ودلالة خاصة بها"موسيقية ومُسْتَحَضَرَةٌ تُضاف إلى قيمة الكلمة، وفي بعض الأحيان تناقضُها كعلامة إيديولوجية"(2).
وإن بقي (الرمز) مرحلة أولى دونَ الرمزية كمذهب أدبي ذي نشأة أوروبية في القرن التاسع عشر، فإنه ينهض بنفس الوظيفة من أكثر من زاوية مع بقاء الفارق الفلسفي والفكري والإيديولوجي، وتقاسم المنحى الأسطوري أو الديني أو غيرهما..
و(محمد العيد) الشاعر استخدم الرمز في مستواه الأول لقناعة مستمدّة من محيطه، فهو يبني التجربة من الخبرة ولا يفتعلها افتعالاً، ومن ثم فرمزه ذو وظائف عديدة مختلفة مهما كانت البساطة في صور من هذا الرّمز كامتطاء، (التلغيز) حيث تغدو المرأة أو الأنثى رمزاً تختلط فيه السلبية والإيجابية، فهي مكروهة محبوبة في الوقت نفسه، وهي، عذبة، متمنّعة يبرح غيابها بالجميع، وقد صاروا لها عشاقاً.
تمثل الصورة الأولى قصيدته عن أجواء (الحرب العالمية الثانية) وهي تدق الأبواب، فكتب الشاعر قصيدته سنة (1938م) حيث رمز للحرب بالأنثى، والأنثى هنا حبلى، وهي ليست كالأخريات، يتغزل بها بعض عن حب وهيام، وطلب جادّ، ويفتعل آخرون حبّها، لكنها في النهاية من حظّ القوي، فهو سيّدُها الآمر ومعشوقها المطلوب المستجاب، بينما الضعيف ضحيتها، تنكّل به، بل تُبيدهُ من دون رحمة، حيث لا إنسانية في هذا المستوى من العلاقة، فوصف الشاعر هذه العلاقة بقوله:
بها كثر التّغزّل والنّسيبُ
فما أنثَى نبتْ عن كلّ أنثى

مبين والقويّ لها حبيبُ
تجنّت فالضّعيفُ لها عدو

ثم أشار إلى (ألمانيا) من خلال شعارها (النّسر) كقوّة عسكرية صاعدة، كما أشار إلى حلفها مع (إيطاليا) لعلاقة (النّعل) كصورة لإيطاليا على الخريطة الجغرافية، وكذا حلفها مع (اليابان) لعلاقة التلويح لها باليد، وقد نُعت بجنسه (الصفرة) لذا، أقبل النّسر على أنثاه معتداً يجرّ وراءه نعله، ويد (بالصفرة) تُلوِّحُ لهُ:
يَدٌ بالزّعفرانِ لـه خطيبُ
أتاها النّسْرُ مُنتعلاً تحيّي

فهو رمز امتطى (التلغيز) عن (الحرب العالمية الثانية) التي لم تلبث حتى نشبت (1939-1945م)، وكانت (فرنسا) ممّن خاضوها، فأذلَّت فيها إذلالاً بشعاً، لم تسلم من نتائجه الجزائر نفسها، وقد هرب إليها العسكريون الفرنسيون تحت سياط الجيش الألماني وهو يحطُّ رحاله بباريس.
حين صارت هذه الحرب التي رمز إليها الشاعر (محمد العيد) بالأنثى واقعاً طاحناً في الجزائر، نفسها: أفرزت نتائج مختلفة، في مثل هذه الظروف، من بينها صعوبة التموّن بالمواد الغذائية الأساسية ذاتها، فضلاً عن الكمالية، و(القهوة) كمشروب شعبي في (الجزائر) كانت عرضة للمضاربة، ثمّ الاختفاء التّام من السوق، مما حزّ في نفوس عشاقها من (المواطنين) فرمز إليها الشاعر بالجارية (السوداء) ورمز لعشاقها بالبيض، أما الجواري الأخريات غير المرغوبات فيهن فبقينَ من دون تحديد، وهنّ لا ريب ألوان من المشروبات (شيحا) و(زعترا) و(زنجبيلا) وما شابه ذلك، قال الشاعر:
على البيض واستعصى عليهم وصالها وجارية سوداء عزّ منالها

جواري أخرى لا يطاق احتمالها
تولّت وصدَتْ عنْهمُ فتعوّضوا

أما حين وضعت الحربُ أوزارها، وحلّت أزمة التّموين بالسلع والبضائع، فقد عادت (القهوة) إلى السّوق، كما عادت تبعاُ لذلك لاحتلال موقعها المتميز في البيت الجزائري، فكان الشاعر (محمد العيد) في طليعة المرحبين، شعراً بالجارية السوداء، معشوقة للجميع:
لنا بعدما غابت وطال ارتحالها
وهاهي قد عادت وجادت بِوصْلها

فهي إذنْ إذا حضرت في مجلس طاب أنسه وأغناه عن شرب الحرام حلالها..
غير أن أجمل الرموز في شعر محمد العيد هو رمز (الحرية) الذي صارت فيه المرأة رمزاً عذباً أنيقاً، فنراه مبكّراً يرمز في عزّ الاحتلال الفرنسي (سنة 1938م) إلى الحرية بالرمز الجميل الخالد (ليلى) يتوق إلى وصالها ويعذّبه الشوق إليها، لكنه لا يسمع وهو يتغنّى بها! إلا صدى اسمها.
حيل بيني وبينها
أين ليلاي أينها

وأذاقَتْهُ حَيْنَها
أصْلت القلب زَارَها

وتعشّقتُ زَيْنَها
مُذْ تعرّفت سرّها

فِ اللواتي حَكَيْنَها
فتعلّقتُ بالطيو

مهجات فدَيْنَها
ما لليلاي لم تصل

وعيوناً بَكَيْنَها
وقُلوباً علِقْنَها

لكن الإحساس بالمأساة تحت كابوس الاحتلال الفرنسي يجعله يحسّ باليأس، فيتمكن منه القنوط، وقد خيّل إليه أن (ليلاه) نفيت إلى الأبد من عالمه:
لَنْ تَريْ بعدُ عيْنَها
إيهِ يا عيني أذْرفي

ضي جميعاً نفينها
السّماوات والأرا

أنْهُجاً ما حوينها
كم تساءَلتُ سالكاً

أين (ليلاي) أينها؟
لم يجبني سوى الصَّدى

فغدا الشاعر مجنوناً بليلاه، في ليل احتلال بغيض اختصرته إرادته أمّة في العزّة والكرامة التي أخذت طريقها عبر الثورة (54-1962م)، حتى كان الانتصار، فعانق الشاعر ليلاه عناق الشّوق والرضى تغمره حبّاً وسلاماً:
فشفّت به مجنونها المستهترا
ليلاي فيكِ تعطّف بِوِصالها

ورغم ذلك فإن المرأة كرمز لدى الشاعر (محمد العيد) بقيت أقرب إلى الماديات، ولم تكد تسمو وتدق إلا في جزئيات، وهذا راجع من دون شك إلى رؤية الشاعر غير المفصولة عن واقعه، وتكوينه، ونهجه الإصلاحي، مع ميل إلى ضرب من الترفيه عن النّفس جعله ينحو نحو رمْز اكْتَسى طابع الألغاز، تَجَاوزاً لرتابة قاتلة في الحياة اليومية، وتفتيقاً لقرائح قرائه، وزملائه وتلاميذه أيضاً، وبقي الرمز في شكل محدّد بمستويات لم تستدرج أسطورة من التراث، أو خارجه ولا نحواً فلسفياً أو إيديولوجياً بأبعاد فكرية مكثّفة، وإنما بقيت أكثر ارتباطاً بالجانب الاجتماعي وخلفيته الدينية، من رؤية إصلاحية، بالخصوص.
***
فماذا عن المرأة كموقف، كصاحبة قضية في الحياة، كوجود مؤثر في المجتمع كفعل في حياة الوطن نفسه، في حياة معاصرة لم تعد تستسيغ ظاهرة الجزء المشلول في الحياة الوطنية والاجتماعية، فبقدر ماهي ربّة بيت، ومدرسة الأبناء، فهي الساعد والعضد للأب والأخ، والزوج والابن، أي الوجود المؤثر على أوسع نطاق في الحياة الوطنية والاجتماعية بعد الحياة الأسرية الخاصة.
من هذه الزاوية نفسها تنطلق رؤية (محمد العيد) إلى دور المرأة الجزائرية خصوصاً، لتجاوز وضعها وتخلّفها، فقال يخاطب (نساء الجزائر):
وتحرّكْن للعمل
قُمْنَ من رقْدَةِ الكسَلِ

يا نساء الجزائر
غير أن الجانب الديني سرعان ما ينبثق من رؤية الشاعر لموقف المرأة، فبقدر ما هي مطالبة بصون عرْضها، وحماية شرفها، هي مطالبة أيضاً في هذه القصيدة أن تكون في البيت مربية صالحة للأجيال:
مرشدات وأعيُنَاً
عشن للجيل السُنّاً

يا نساء الجزائر
في حمى الله والوطنْ
عشن للصّالحِ الحَسَنْ

يا نساء الجزائر
وهي رؤية شاعر، يعبّرمن منطلق اجتماعي إصلاحي، يتماشى والفترة التي كُتِبَتْ فيها القصيدة (سنة 1937م)، حين بدأ الاهتمام بتعليم المرأة، وتربيتها، وقد حرصت جمعية العلماء منذ مطلع العشرية الثالثة هذه في القرن العشرين تولي عناية لتعليم الفتيات في مدارسها، موازاة مع الخط الاجتماعي في صحافة الجمعية ونواديها وخطبها لتنأى الفتاة الجزائرية عن (المدرسة الفرنسية) بقيمها وتقاليدها التي تبعدها عن حضارتها وقيمها، وتقبل على المدرسة العربية، للتّشبع بلغتها ودينها في محيطها الحضاري، من أجل رعاية (أحمد) ابن (عبد الله) أو (محمد) لا رعاية (جاك) ابن (عيسى) أو (موسى)، والشاعر (العيد) كان الصوت الصادق في نقل الحسّ الاجتماعي في هذه الفترة، والتّعبير عن تطلّعات الحرية الاجتماعية والفكرية من منطلق إصلاحي يراعي المرحلية في معالجة القضايا المختلفة في الجزائر..
والمرأة القضية عند (العيد) ذات دور، تبدأ فيه إذن مسؤوليتها: من تعليمها وحسن إعدادها للإسهام في بناء وطن، وإعداد جيل مؤمن قويّ بإيمانه ووطنيته، وحول هذه النقطة تمحورت رؤاه الإصلاحية في الحديث عن المرأة، التي تبقى ذات هموم أخرى، وبوجهها الاجتماعي، ففي مطلع الخمسينات من هذا القرن نقرأ نموذجاً عن المرأة الموقف في شعر (محمد العيد) ببعده الاجتماعي خصوصاً، كما تمثله قصيدة تحمل عنواناً معبّراً، هو: "دمعة منهمرة على فتاة منتحرة" عن فتاة من أسرة إصلاحية في (قسنطينة) سهت في لحظة قنوط عن إيمانها، فضاع صوابها، بعدما "ألم بها عارض طغا فيه اليأس على الرجاء والهوى على العقل شأن الفتيات الغريرات فانتحرت بالتردّي من شاهق بوادي (قسنطينة) الشهير (وادي الرمال، وتركتْ لأبَوْيها حزناً يمده الدّمع".. والوادي.. كما يبدو من الجسر المعدني المعلّق في سمائه، يجعل الرأس يحسّ بالدوار، فأثّرت الفاجعة على الشاعر فكتب قصيدته ذات الخمس والخمسين بيتاً: فطرحت أكثر من قضية، فهناك الحسرة والأسى بوجهيهما الاجتماعي والنّفسي، وقد تجرأت الحسناء على مايهابه الأسود، لكنها الجرأة السلبية التي تأتي في غير أوانها، فتجني على صاحبها ولا تخدمه، فقال يخاطبها:
يا زهرة عصفتْ بها النّكباء
أَذْرت عليك دموعها الأنداء

وعرَتْكَ فيها نظرة سوداء
ماذ دهاك من الحياة فَعِفـتها

يخشى الوقوفَ بِجنْبهِ الجُرآءُ
ألقيت نفسك من شفير شاهق

قَدَرت عليهِ الظَّبْيةُ الهَيفاَءُ
ماهابه اللّيثُ الهصور من الرَّدَى

وطواك منه لدى الهَويِّ هَوَاء
صدمتك من وادي الرمال صخورهُ

قبل الجني وجَنَى عليه جَفاءُ
أسفي عليك ذوى شبابُكَ فجأة

وسعتك أرض أو وقتك سماء
ضاقت بك الدّنيا بما رُحبتْ فما

من هنا يمكن أن نلتقط الخيط عن القضية والموقف؟ فما قضية هذه الفتاة التي أذنبت في حقّ نفسها، وقد سهت عن عقلها ودينها؟ إن نشأتها في أسرة إصلاحية كانت كفيلة بأن تجنبها هذا المصير البغيض: اجتماعياً ودينياً وإنسانياً، هل هناك طاقة جبّارة تجاوزت إمكانياتها الفكرية والعقلية وحسها الدّيني الرّخْو؟‍ إنها من دون شك طاقة القلب الجموح الصغيرة أصغت لقلبها أكثر من عقلها وعقيدتها، إن الأمر من دون شك قضية عاطفية عصفت بوجدانها، فالمرجح أنها دخلت في تجربة عاطفة صاخبة حال دون اكتمالها حتى النهاية ذووها لأمر ما أو أجهضت هذه التجربة بتحويل مسارها لإرادة الأسرة، ربّما، رغم أن أسرة إصلاحية متعلمة يصعب أن تفرض على فتاة مالا تريد، لكنه من المحتمل أنها فشلت في أسلوب الحيلولة بين الفتاة وما يريد قلبها الطري غير الناضج، فلم تُزَف لا إلى هذه الوجهة ولا إلى تلك، بل إلى الوادي الصاخب:
زوجاً، وباء بِصدّكِ الخُطباءُ
الموت جاءك خاطباً فرضيته

لكن خِضَابُك يا عروس دماءٌ
فزُفِفْتِ في عُرسٍ لزوجكِ صَاخب

حرّى تذوب بنارها الأحشاءِ
أما صداقك ياعروس فلوعة

رغم اضطرارك زلّة نكراءُ
لا أستبيحُ لك التَّردّي إنه

إنّها "زِلّة" هكذا يمكن أن يكون الاتّفاق، لكن ماطبيعة الاضطرار؟ إن الشاعر يُوعز لنا أن الفتاة وجدت نفسها، أمام واقع صعب تجاوزه، وقد تعذر عليها احتمال التجربة، فأقدمت على الفعل الشنيع!…
ذَنْبٌ يشينُ وفكرة حمقاء
أْخْطَأَتْ رأيّاً في انتحارك إنّه

لم يعالج الشاعر القضية من وجهتها الاجتماعية، فاقتصر في البدء، وهو يخاطبها على ما لحق أبويها من بؤس، محاولاً دفع الظنون التي قد تساور النّاس ممّا يمسّ عرْضَها وشرفها، كذلك النزوع إلى الإرواء العاطفي الذي قد لا يجد ملاذَهُ في النهاية إلا في أحضان الموت، كتجربة عاطفية جموحة بين اثنين غاب فيها العقل والمنطق في حضور النزوات وحدها، وهو ما يشتم هنا، حتى والشاعر يخاطبها في عز الألم:
إن الظنون مطية عمياء
عرّضت عرِضْك للظُّنون وعَسْفِها

ولعلّهُ مّمايقال بَراء
أزْرى بِعَرضِكِ مايقالُ توهّما

أو عثْرةٌ في السيّر أو إغماءُ
ولعل رُزأَكَ نوبة نفسية

منك الحجى ومن الذكاء ذكاءُ
أو لَفْحَة بك من ذكائكِ أَحْرَقتْ

فالقضية الاجتماعية هنا كما تلوح خيوطها هو تغييب رأي المرأة أساساً، إنه حتى في لحظة جموح العاطفة لدى هذه الفتاة كان يمكن الإصغاء إليها، وإقناعها بمختلف الأدوات التي تتآزر فيها مختلف العناصر، عقلاً وديناً وعاطفة، بكل عناصر هذه العاطفة الخاصة والعامة.
الملاحظ هنا أن التجربة نقلها الشاعر في زمن لم تكن فيه آفة الانتحار ذات شيوع، ولم تكن ضغوط الحياة المختلفة بمستوى تستطيع فيه أن تنتهي بالضحية إلى هذا المصير، إضافة إلى أن ذلك في محيط جزائري إسلامي عربي لم يتلوث بعد بآفات العصر المختلفة، والتي تحتل فيها قيم الانتحار حيزاً معتبراً كمنقذ للخلاص من واقع صعب احتماله، أو تعذّر الصّمود في وجه ضغوطه المختلفة.
لكن يبقى العنصر الأساسي في قضية المرأة هي معاناتها، متاعبها الخاصة، ومعاناتها تغييب رأيها، ثم المعاناة الأشدّ ضراوة ألسنة النّاس، التي تنسج من كلّ صغيرة تأتيها أشياء كثيرة لم ترد على بالها، ولم تفكّر فيها، ولا مارستها.
غير أن الشاعر لا يضيع الفرصة، فيعرّض بالانسياق وراء المشاعر الشخصية، والاستبداد بالرأي، كما يرى في الانتحار ضرباً من الجبن في غياب الرأي السّديد، والشجاعة في الانتصار على الأهواء الذاتية والعمل بالرأي الصائب من وحي الحكمة والعقل والمنطق والدّين وحتى العاطفة الإنسانية السامية في أناقتها وطهرها:
المستفزّة وَجْدهُ الأهواءُ
قل للشباب المستبدّ برأيه

تُلهِمْهُ وجْه صوابِهِ الأخطاءُ
من يتّعظ بسواهُ في أخْطائِهِ

عظّمى، يبوءُ بخزيها الجُبَناءُ
إن انتحار اليائسينِ جناية

رأيٌّ أسدّ وهمةٌ قعساءُ
دنياك معركة يفوز بكسْبها

غير أن المرأة قضية سرعان ما تشمخ عالياً بعيداً عن الأنانية والذاتية، وتتوق لصنع المستقبل، مجاهدة، معتدة بنفسها ذات ثقة في إمكانياتها المختلفة، وإيمان قويّ بوطنها، وهي تندفع في معركة التحرير (1954-1962م)، جندية تستبسل في المعركة، كما تدير بيتها، مثلما تتأبّط رشاشها، وتضمد جراح المجاهدين الثائرين المندفعين لتحرير الجزائر من براثن الاحتلال الأوروبي النّصراني، وهي ذات ارتباط بشعبها وقيمه.
فالمرأة القضية هنا أخذت منحنى حضارياً، لتكون نعم الخلف الحديث، لنعم السلف عندما حرّر الإسلام المرأة من رقّها وعبوديتها، كما حرّر الرّجل من وثنيته، واستعباده من غيره، أو استعباده لغيره..
واعدّي الفدا لنَصْر البلادِ
ساهمي في الجهاد جند الجهاد

فاستجيبي بعَزمةٍ للمنادي
يا فتاة البلاد شعبُك نادى

ـبُ مع الرّكب للمدّى باتحاد
جَدّ جَدّ النّساءِ وانطلق الرَّكْـ

أي سَعْد لم يستفد من سعاد؟
نحن عون الرّجال في كلّ حال

وانتصار على الخطوب الشّداد
والجميلات ذكريات اصطبار

بالبطولاتِ في كفاحِ الأعادي
صهرتنا الخطوب حتّى ظهرنا

فأسونا جِرَاحَه بالضَّماد
كم غدونا إلى جريح طريح

وانْتَطَقْنا به على الأكبادِ
واتّخذنا من الرّصاص عقودا

شاهرات لـه على استعداد
واعتنقنا رشاشنا ساهرات

وبَهْرْنا العدا بقدْحٍ الزُّنادِ
وقدحْنا زنادَنا فقهرنا

وشريف في ساحة الأمجاد
فإذا جنسنا اللّطيفِ عنيفٌ

يُلاحظ القارئ، هنا أن قضية المرأة سمت عن الابتذال من خلال النموذج السابق، وارتقت إلى قضية حضارة، إلى دور جهادي في صنع التاريخ، فبقدر ما هي زوج وأمّ، هي مجاهدة تقبض على الزناد في إصرار.
كما تنهض بمعالجة الجرحى في المواجهة مع جيوش الاحتلال الفرنسي إبان الثورة المسلحة (54-1962م)، من دون أن تتهتك أو تتنازل عن مكانتها كامرأة، ولا في عفتها وشرفها،
لذا تبقى المرأة قضية مرهونة بها نفسها، فكلّما سمت بمواقفها ومشاعرها، وأخلاقها: سمت مكانتها، ووجدت من يعبّر عنها، ولا تبقى قضية (زواج) و(طلاق) و(وَأْدٍ) و(انتحار)، بل قضية بناء أمّة قوية متزنة متماسكة، تحكمها قيم دينية وأخلاقية وإنسانية سامية، وهو ما عبّر عن جانب منه شاعر الجزائر الكبير (محمد العيد) رحمه الله.
فهي في النهاية بقدر ماهي رمز عذب جميل، هي إرادة وقوّة واعتداد وقيم إنسانية سامية، تحاول العبور على واقع كان يعاني التخلّف، كما يعاني استيطاناً احتلالياً أوروبياً أفرز أمراضاً عديدة، سلمت منها المرأة الجزائرية، التي بقيت في النهاية بكل سماتها الجميلة في مجالها الحضاري رمزاً جميلاً، وموقفاً إن تعثّر حيناً، ثبت أبداً..


 هوامش:
(1)- طبع أول مرّة على نفقة وزارة التربية الوطنية في مطبعة (البعث)، قسنطينة، الجزائر، 1967. أما الطبعة الثالثة والأخيرة، فصدرت عن المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1992.
(2)- فيليب، فان تيغيم، المذاهب الأدبية الكبرى في فرنسا، ترجمة فريد أنطونيوس، ص: 273، عويدات، بيروت، 1975.
(3)- اعتمد في هذا البحث الطبعة الثالثة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1992.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://creation-bordj.ba7r.org
 
الشاعر العربي محمد العيد آل خليفة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الابداع - برج أخريص :: منتدى الشخصيات الجزائرية-
انتقل الى: