ابداع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  خالد نزار في جبهة القتال

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 14/07/2010

مُساهمةموضوع: خالد نزار في جبهة القتال    الإثنين يوليو 19, 2010 2:52 pm


شهادات حول مشاركة اللواء المتحرك الثاني في حرب الإستنزاف
تنشر "الشروق" على مدار حلقات النص العربي لمذكرات الجنرال المتقاعد خالد نزار حول مشاركة الجزائر في الحروب العربية الإسرائيلية (حرب 6 أيام 1967)، عبر فصول عاينها الكاتب عندما كان ضابطا في الجيش الشعبي الوطني، وكذا انطباعه خلال حروب الاستنزاف التي حددت مصير الصراع في منطقة الشرق الأوسط بعد اتفاقيات كامب ديفيد ورسمت معالم خارطة جديدة استحوذ فيها الكيان الصهيوني على قصب السبق بعد سلسلة الهزائم العسكرية والنفسية العربية.

• وتحدثت الفصول الأولى من الكتاب عن حرص الجزائر على المشاركة العسكرية في الصراع العربي الإسرائيلي رغم أن جيشها حينذاك لم يكن مهيكلا بالطريقة النظامية الكلاسيكية، لاسيما وأن الجيش الشعبي الوطني تشكل أساسا من جيش التحرير الوطني الذي اعتمد حرب العصابات كخطة لمواجهة الاستعمار الفرنسي، وأرجع الجنرال المتقاعد هذا الاندفاع إلى تأكيد الجزائر لانتمائها وهويتها العربية وتبنيها لقضايا العرب الذين كانت جزءا لا يتجزأ منهم، ثم تطرق إلى الحديث عن حروب الاستنزاف التي كانت من أجل الكرامة العربية، وكذا حرب ينويو 1967 التي شهدت اندلاع الحرب بين العرب والكيان الصهيوني، وموقف الضباط الجزائريين من الحرب وكيفية متابعتهم لها، وكذا مشاركات خالد نزار في هذه الحروب، وقضايا مرتبطة بالحدث مثل وفاة الجنرال عبد المنعم رياض وبعض مناورات اللواء الجزائري في الحرب ، ثم عرّج إلى الحديث عن الحروب العربية الإسرائيلية في الشرق الأوسط، كحرب 1956 التي قال إنها انتهت بـ"هزيمة عسكرية وانتصار سياسي"، ثم حرب 1967 التي كانت بمثابة "عد تنازلي" وكيفية مواجهة كل جبهة لهذه الحرب، وأخيرا حرب أكتوبر 1973، كما تطرق في الأخير إلى نشر إحصائيات متعلقة بخسائر سلاح الجو العربي في اليوم الأول من حرب 1967.
• ويعتبر الجنرال المتقاعد خالد نزار الشخصية العسكرية الوحيدة التي سجلت كثيرا من انطباعاتها حول قضايا سياسية وعسكرية عاشتها الجزائر وكان هو أحد أبرز المساهمين فيها، وجاء هذا الإسهام الجديد ليكشف جوانب مهمة من مشاركة الجزائريين في حرب 1967 والمعايشات اليومية للجيش الجزائري في الجزائر وفي الجبهة المصرية.
• كانت الجزائر خارجة لتوها من حرب طويلة ومدمّرة عندما قررت الانضمام إلى جانب إخوانها العرب في الصراع الذي كان يجمعهم بإسرائيل، وإن لم تكن مستعدة لخوض حرب تقليدية مثل تلك التي كانت ترتسم في الشرق الأوسط
• الحلقة الأولى

• المصريون ضللونا بمناورات مفبركة وأوهمونا أن إسرائيل "شربة ميه"

• بقلم اللواء المتقاعد: خالد نزار

• ملامح تأسيس جيش تقليدي
• كان الجيش الجزائري الذي وُلد من رحم جيش التحرير الوطني لا يزال غارقا في أسلوب حرب العصابات التي اعتمدها لمواجهة القوى الاستعمارية، ولكن الجزائر اغتنمت فرصة هذا الصراع العربي الإسرائيلي لتسجّل تضامنها مع منطقة لم تتوقف عن إعلان انتمائها إليها وارتباطها بها.
• وهكذا كانت مشاركة الجيش الجزائري في الحرب العربية الإسرائيلية رغم أنه لم يزل حينها في طوره الجنيني محفزة للتساؤل عن مدى امتلاك هذا الجيش للخبرة اللازمة من أجل الانخراط في حرب تقليدية، وما إذا كانت الجزائر التي أُنهكت في صراع مسلح طويل ومرير جاهزة لمواجهة حرب شاملة.
• وهذه الأسئلة المطروحة تستدعي ضرورة الإجابة عليها.
• مع انتهاء الحرب، وجدت الجزائر نفسها مقفرة على جميع الأصعدة، وفي كل بُناها، حيث انهار أسلوبها التنظيمي المستنسخ عن النموذج الإقليمي الفرنسي مثل قصر رملي، ولم تصبح الزراعة التي كان يُفترض أنها مصدر قوت الجزائريين سوى زراعة تكميلية موجهة بالأساس إلى تلبية حاجيات الفرنسيين فقط، إضافة إلى سياسة الأرض المحروقة التي نفّذها نشطاء "المنظمة الجزائرية السرية"، وهذا أدى بدوره إلى تجميد اتفاقيات إيفيان، ودفع فرنسا إلى إدارة ظهرها كلية للجزائر، تاركة هذا البلد يغرق في مشاكله. وكان ذلك إحدى الطرق التي اعتمدتها فرنسا لمعاقبة شعب خاض معركة تحرره واستقلاله. وهكذا نبذت فرنسا خلفها بلدا كاملا في العراء.
• لم تكن الجزائر تملك مقومات كثيرة غداة تحررها من الاستعمار البشع؛ فعدد الطلبة لم يكن يتجاوز 500 طالب يدرسون في جامعتها الوحيدة، وهي الجامعة المركزية بالعاصمة، وكان الظرف يقتضي على هذا البلد المستقل حديثا ليس مجرد إعادة بنائه من جديد فحسب، ولكن أيضا النهوض بكل المؤسسات الضرورية في تسيير دولة جديرة بهذا الاسم.
• وشرعت القيادة في ذلك الزمن بالعمل من أجل رفع هذا التحدي الكبير، ولكن بسبب ضخامة الأعباء وثقلها لجأت إلى تحديد الأولويات التي لم يكن الجيش في طليعتها.
• غداة الاستقلال مباشرة، غيّر "جيش التحرير الوطني" تسميته ليصبح "الجيش الوطني الشعبي"، وتم هذا التغيير دون إمداد الجيش بدماء جديدة عدا الاستنجاد بالمتعاونين الأجانب الذين قدم أغلبهم من الاتحاد السوفييتي سابقا، وكان "جيش الحدود" يشكل النواة الأساسية لتنظيم عسكري لا زال يحتفظ بقيمه ومبادئه التي قادته إلى خوض معركة صائبة، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لكل جيش ثوري في العالم.
• غير أن نقص الإطارات المحترفة فرض حينها تعيين الضباط الحائزين على أعلى الرتب في جيش التحرير الوطني الذين خاضوا الثورة، ولم يكونوا يحظون بخبرة كبيرة مرتبطة بأداء عملهم. أما الضباط القليلون الذين تكونوا في المشرق وفرنسا فقد تمت الاستعانة بهم في مجال التكوين والإدارة، وهذا الأمر شكّل نوعا من فقدان التوازن في الهرم التنظيمي للمؤسسة العسكرية، حيث اضطرت الإطارات الشابة التي كانت تملك مقاربة وتصورا مختلفا إلى بذل مجهودات كبيرة في ظرف قصير من أجل تكوين ضباط التأطير والتأهيل الذين لا غنى عنهم في تكوين الجيوش التقليدية. وازدادت حدة هذا الخلل بوقوع انحراف كبير قُرن الجيش بموجبه مع الحزب الواحد، وهو ما جعل قادة الجيش أكثر استعدادا للمشاركة في الحياة السياسية من استعدادهم للتكوين العسكري.
• لقد تميّزت هندسة المؤسسة العسكرية عبر نصوصها الأساسية بهاجس إنقاذ أو إدامة امتيازات المرحلة الراهنة، أو ضمان هيمنة توجه أيديولوجي على غيره، وهذا كله كان يتم عن طريق التسابق بين القوى الموجودة على أرض الواقع. لقد كان الجيش يُستغل في أغلب الأحيان من أجل ثقله ورمزيته، وهو ما جعل المزاوجة بين الحزب والجيش تشكل دائما شراكة تتحكم بمصير البلد. وكانت طريقة التسيير هذه تحظى بمساندة رئيس الجمهورية هواري بومدين الذي كان في الوقت ذاته وزيرا للدفاع، بعد محاولة الانقلاب المجهضة في عام 1967. وهذا المفهوم نفسه برز إلى الوجود أيضا بفعل أن أوامره كانت تأتي من الجيش الشعبي الوطني بدافع العاطفة أكثر من دافع المهنة.
• لقد أدت مشاركة الجيش في الأشغال ذات المنفعة العامة إلى ابتعاده أكثر فأكثر عن وظيفته الأساسية، كما أن الأولوية التي مُنحت للاقتصاد شغلت الإطارات القليلة الذين تم تكوينهم آنذاك، علما أن الحرص على الانخراط في سلك الجيش يُعتبر ضعيفا في جميع البلدان التي خرجت من حرب كلفتها كثيراً من الأرواح، ولم يحظ الجيش بدعم بشري جديد إلى غاية عام 1971 عن طريق المدارس والجامعات المختلفة في الجزائر، حيث أتيحت الفرصة لهذا الإمداد عن طريق سن قانون الخدمة الوطنية الذي فرض على كل مواطن جزائري متخرج من المدرسة تقضية عامين متتالين إما في وحدات القتال أو في تأدية أشغال ذات منفعة عامة. غير أنه هذه الجهود لم تكن لترتقي إلى تطلعات جيش عليه أن يؤدي مهامه المقررة مثلما عليه الحال في جميع العالم.
• إضافة إلى ذلك، شاركت تلك الوحدات في عدة مهام مثل تشييد القرى الزراعية والأحياء السكنية، وكذا إنجاز الطرق والسكك الحديدية والمساهمة في حملات التشجير، ونحو ذلك. وكل ذلك أدى _ بشكل أو بآخر _ إلى إبعاد الجيش الوطني الشعبي عن مهمته الحقيقية. ولقد بدأت قدراته تتحسن في السبعينيات بعد التحاق أولى دفعات الضباط المحترفين، غير أن عدد الضباط لم يكن كافيا للأسف.
• كانت الفرقة المدرعة الثامنة التي ذهبت إلى مصر عام 1973 الأكثر استعداداً والأفضل تجهيزاً من جميع وحدات الجيش الوطني الشعبي في تلك الفترة، وإن كانت بعيدة عن استيفاء المواصفات اللازمة، لكن رغم ذلك بقي مستوى التدريب والهياكل والقيادة غير كاف. وابتداء من عام 1965، قُرّر إرسال أولى دفعات الضباط التابعين لهيئة الأركان إلى مدارس الاتحاد السوفيتي، وإن كانت غالبيتهم تفتقد لأدنى تكوين عسكري قاعدي.
• غداة الاستقلال، تم تنظيم فيالق جيش التحرير الوطني التي تحولت إلى فيالق الجيش الوطني الشعبي في عدة مجموعات، وضمت كل مجموعة ثلاثة فيالق تمثل ما يعادل تقريباً تعداد لواء.
• وبعد ذلك، كانت هذه الألوية نفسها هي التي ستشارك في حرب الاستنزاف بمصر بعدما تدعمت بوحدات دعم إسناد ونقل وأصبحت تعرف باسم فرق المشاة المتحركة، رغم أنها في الأصل أسست بهدف خوض حروب لا ترتبط ارتباطا كبيرا بالحروب التقليدية.

• حرب من أجل الكرامة
• لقد دامت حرب الاستنزاف عدة سنوات، وجاءت رداً على القصف الإسرائيلي الذي أجهز على قسم كبير من قيادة الجيش الثاني وأدى إلى مصرع قائد الأركان المصرية عبد المنعم رياض. ولم تكن حرب الاستنزاف بالنسبة للجيش المصري مجرد حرب بقاء فحسب، وإنما خاضت مصر الحرب على امتداد خط وقف النار 1967 الذي يربط قناة السويس ببور سعيد وبور فؤاد، وجزءا من سيناء. وإذا كانت إسرائيل هي التي فرضت الحرب في بداية المطاف، فإن المصريين الذين انكبوا على إعادة تشكيل جيشهم، وجدوا في هذا الاستفزاز من قبل الإسرائيليين فرصة لتحويل عدوهم إلى هدف حربي كما ذكر ذلك الفريق سعد الدين الشاذلي، قائد أركان الجيش المصري، حيث قال: "من الناحية العسكرية، كان هدفنا هو رفع معنويات جيشنا الذي كان محبطاً جراء هزيمته النكراء عن طريق تكبيد العدو خسائر فادحة في الأرواح".
• لم يكن المقصود بالعمليات الاستنزافية في الواقع إضعاف القوات الإسرائيلية المتموقعة على خط بارليف أساساً فحسب، وإنما منحت للمصريين الفرصة لاكتساب التجربة المفتقدة التي كانوا بأمسّ الحاجة إليها.
• لقد ألفت كتب كثيرة حول هذا الموضوع، غير أن القليل منها فقط أشارت إلى العامل الهام والحاسم الذي ساعد على القيام بالعبور الأكثر نجاحاً في هذا النوع من المناورات، بما فيها ما تم أثناء الحرب العالمية الثانية. وبفضل هذه التجربة استطاع المصريون النيل من كبرياء الجيش الإسرائيلي بعد أن شن عليه حرب الستة أيام.
• واندلعت هذه الحرب تحديدا يوم 11 مارس عام 1969، وامتدت إلى ما بعد 1969.
• أطلق على هذه المرحلة من الصراع العربي الإسرائيلي اسم "حرب الاستنزاف"، وكان الرئيس جمال عبد الناصر هو الذي أطلق عليها هذه التسمية حيث قال في خطاب له: "لا أستطيع أن أجتاح سيناء، لكني أستطيع تحطيم معنويات إسرائيل بالاستنزاف".
• وبدأت الحرب بقصف مدفعي ثم السلاح الجوي في حدود شهر جويلية 1969 بعدما بادرت إسرائيل إلى استعمال الطيران في هذه المواجهة. وأسند المصريون هذه العمليات بعمليات "كومندوس" في العمق بهدف جمع المعلومات.
• قبل تلك الفترة كان الإسرائيليون يعيشون في سيناء حالة من اللاحرب واللاسلم معا. وكان الشباب يعتبر مدة الخدمة العسكرية المفروضة، وهي 33 شهرا، طويلة جدا، إلى درجة جعلت الجنرال موشيه ديان يعلن احتمال تقليص مدة الخدمة "طالما أنه لا يوجد أي خطر الآن يهدد البلد".
• غير أنه لا قيادات الأركان التابعة للدول الغربية ولا حتى قيادة أركان الجيش الإسرائيلي ذاته تحدثوا عما جلبته هذه الحرب للمصريين من مزايا. فخلال هذه المرحلة اكتسب الضباط تجربة أكبر، وثابروا على أدائهم باستبسال نادر، ولم يُدرك الإسرائيليون الذين كانوا يردون الضربة بالضربة أن قناة السويس وجزءا من صحراء سيناء قد أصبحا بالنسبة للجيش المصري حقلاً فعلياً للتدريبات. ونصب الضباط أسلحتهم وفاجأوا كثيراً من الدول التي طالما رددت، منذ عام 1967، لمن يصغي إليها بأن الجنود المصريين فروا مثل الأرانب و"خلعوا نعالهم" لكي يركضوا بسرعة أكبر.
• لقد أحاطت حرب الاستنزاف بحربي 1967 و1973، حيث محت الآثار التي تركتها حرب 1967 وساهمت في إنجاح حرب "الستة أيام" التي حققت هدفين هامين، ويتمثلان في عبور ثم هدم خط بارليف، وهو ما أعاد شيئاً من الكرامة للعرب ووضع حداً لأسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
• كان المصريون يعانون من نقص فادح في المال وإلا لمنحوا لهذه الحرب المحدودة بعداً آخر دون أدنى شك رغم قدرة إسرائيل على استعمال السلاح النووي في هذا الصراع. لكن كيف يمكن للمصريين أن يفعلوا ذلك في حين أن غالبية المواطنين يفتقدون للحد الأدنى من مستوى المعيشة؟ أين يجدون المال الذي يُعتبر عصب الحرب؟ لقد كان هذا المال موجوداً بحوزة العرب وبالأخص دول الخليج، ولكن هل وُضع بين أيدي المصريين في هذه الحرب؟ إنني أشك شخصيا في ذلك، خاصة إذا علمنا كيف انتهت القمة العربية في الرباط، والتي عُقدت لتدارس الصيغ المناسبة لمساعدة دول الجبهة عسكرياً ومالياً.
• كنا نعلم جميعا في تلك الأيام أن هذه القمة لم تكن في مستوى آمال وتطلعات الدول المعنية بشكل مباشر، ولاسيما فيما يتعلق بالاحتياجات الخاصة للحرب التي كنا ندرك بأن من يديرها كانوا هم الأمريكان وجزءا هاما من الدول الغربية.
• كيف كان بإمكان مصر التي تفتقد للمال أن تنظم جبهتها الخلفية، خاصة وأنه مثلما هو معروف ومدروس في جميع المدارس العالمية، فإن الجبهة الخلفية تساند وتساعد الجبهة الأمامية على الاستقرار وتعزز الوضع النفسي والمعنوي لكل من الجنود والأهالي.
• ولكن ما الذي يمكن أن نطالب به جنودا يجدون أنفسهم في احتكاك مباشر مع أهال أنهكهم البؤس ونراهم عندما يفاجئهم القصف المدفعي الإسرائيلي وهم منهمكون في حقولهم يهرعون في كل الاتجاهات ويصرخون : "يخرب بيتك يا جمال".
• لقد كان الرئيس السادات مصيباً في قراره لما اختار طريق السلم لشعبه لأنه، في نظري، لم يكن يستطيع أن يتحمل لوحده عبء هذه الحرب. رغم أن مبادرته بزيارة إسرائيل قد كلفته حياته.
• إننا سنتناول في هذه الصفحات المراحل التي قطعها هذا الجيش الذي سعى، بعدما مُني بهزيمة قاسية، إلى إعادة تشكيل ما سيمثل بعد ذلك الجيش الجديد. بل لقد نجح المصريون في تحويل جيش استعراضي إلى أداة عسكرية فاعلة وقادرة على مقارعة أعتى جيش في العالم، كما نجحوا جزئيا في رهانهم عن طريق إذلال أعدائهم بعبور مفاجئ رغم الإغلاق المُحكم "قناة السويس" بطريقة تُعتبر الأصعب في إطار الأحداث التي شهدها مسرح العمليات العسكرية الأوروبي.

• ترجمة: مصطفى فرحات


الحلقة الثانية
المصريون قالوا إن إسرائيل "شربة ميّة"، لكن الواقع كذّبهم
2009.05.11
تأليف الجنرال المتقاعد: خالد نزار

في يوم 5 جوان 1967، اندلعت الحرب بين العرب والإسرائيليين. قبلها بخمسة عشر يوماً، كنت رفقة وفد عسكري جزائري في مدينة العريش، بصحراء سيناء، حيث حضرت لمناورة عسكرية كبيرة. كانت ثاني زيارة لي إلى مصر. الزيارة الأولى، كانت في إطار دعوة من الجيش المصري للبلدان الأعضاء في المنظمة العسكرية الأفريقية التي كان مقرها في أكرا عاصمة غانا. كانت أول مشاركة لنا لهذه المنظمة القارية التي انضممنا إليها فور الاستقلال. وكان عبد الرزاق بوحارة والعميد الراحل العربي سي لحسن عضوين فيها.


• كنا في فجر الاستقلال نثير فضول الجميع من حولنا. ليس فقط لأن الثورة الجزائرية تخطت الحدود، لكن لأننا أيضاً كنا نرتدي البدلات القتالية، بحيث لم تكن قد سلمت لنا بدلات الخروج بعد. أتذكر أننا حينما كنا نتناول الطعام في مطعم فندق "شيبيردس" حيث كنا نقيم، كان هناك رجل يجلس ليس ببعيد عنا، يحدق فينا بشكل ملح وخفي، إلى أن جاء يوم كسر فيه العربي سي لحسن اللغز وكنا في انتظار المصعد. تبين لنا أن هذا الرجل الفضولي الذي ظل يلتهمنا بنظراته لأيام طويلة، كان فقط متشوق لرؤية جزائريين عن قرب، هو الذي سمع عنهم الكثير. كان هو عبد القادر إسكر، فرنسي من أصل جزائري، وهو مخرج سينمائي ذاع صيته بعد ذلك كثيراً، وكان سعيداً بلقاء أبناء وطنه.
• رحلتي الثانية إلى مصر كانت أكثر أهمية. ذهبت، كما أسلفت القول، خلال شهر ماي 1967، قبيل اندلاع حرب الستة أيام، وذلك في إطار تكوين عسكري. بالإضافة إلى زيارة مدارس التدريب، دعونا لمشاهدة مناورة كانت تجري في سيناء، بالقرب من مدينة العريش. شارك فيها اللواء عبد الحكيم عامر، نائب الرئيس ووزير الدفاع المصري وألقى كلمة في ختام العملية بثت على الإذاعة. كان عرضاً ضخماً. أهداف الدبابات أصيبت كلها بحيث كان يتصاعد منها كل مرة نار ودخان. المستندات النارية، سواء كانت مدفعية أو جوية، كانت تتقدم كما لو أنا فوق حقول الرماية. وكانت تحركات القوات الأخرى تتم كما لو أنها في استعراض. كل ذلك كان يملأ الجمهور الحاضر اعتزازاً واطمئناناً.

• ماي 1967، في صحراء سيناء
• عند عودتي إلى الجزائر، رددت لمن في محيطي بأن المصريين كانوا الأقوى وأنهم، في حال نشوب نزاع، سوف ينتصرون بلا أدنى شك. كنت ناشئا في هذا المجال، وكنت مليئاً بالحماسة. وكان إيماني أن نهاية إسرائيل محتومة. وكان المصريون يرددون بقولهم "شربة مية"، من فرط ثقتهم في أنفسهم. كم كنت مخطئاً، لأني سرعان ما اكتشفت بأن المصريين اعتادوا تزييف الحقائق والمبالغة مما يعطي انطباعاً خاطئاً عن جيشهم. عرفت فيما بعد بأن ما هي في الأخير سوى مسرحية هزيلة. المصريون كانوا قد أخفوا براميل من الوقود خلف أهداف الدبابات وجميع الرميات كانت محددة ومهيأة سلفاً. وراء كل هذا السيرك كان هناك هدف واحد: كسب رضا القائد.
• ورأينا تمثيلية أخرى، تتمثل في نشر وحدة مكافحة الغازات، حيث يتحرك الجنود شبه عراة تحت بالوعات من الماء الساخن. هل كان في نيتهم أن يدفعوا بالسيناريو أبعد من ذلك؟ يجب الإشارة إلى أنه كان بجانب المصريين آنذاك مدربون سوفييت لم يكن هدفهم نقل التكنولوجيا بقدر ما كان للإبقاء على نظام يسعى أولاً وقبل كل شيء لتمديد بقائه على الأرض وأيضاً لبيع تجهيزاتهم. لم يكن غريباً أن يكون السوفييت قد نقلوا مثل تلك الأساليب التمثيلية للمصريين بالقدر الذي يشتهون ويملأ لهم عيونهم.
• كنت قائداً على الناحية العسكرية الثالثة، عندما عادت في ذهني ذكرى تلك الأيام أثناء مناورة للمدرعات حضرتها في منطقة بودو، في الناحية العسكرية الثانية. حضر المناورة عدد كبير من الضباط التابعين لمختلف النواحي العسكرية، ونظمت تحت الرعاية السامية وزير الدفاع آنذاك، الرئيس الشاذلي بن جديد. الجنرال السوفيتي المكلف بالمدربين جاء خصيصاً إلى الجزائر العاصمة. تعرفت عليه لأني التقيت به قبل ذلك بتندوف.
• يومها في بودو، وبحضور هذا الجنرال، شهدت لإلقاء كمية هائلة من القذائف من نوع BM 21، المشهورة باسم "أراغن ستالين"، في حين كان يكفي إطلاق بضعة رميات لأن الأمر كان يتعلق بما يطلق عليه في اللغة العسكرية برميات تجريبية". وتقام لأهداف إيضاحية وتعليمية فقط، لاسيما وأن الذخائر نفيسة الثمن. كان الجنرال السوفيتي محصوراً بين الرئيس والضباط المنظمين لتلك المسخرة، غير مرتاح، وهو يختلس النظر باتجاهي. كان يعرف بأنه لن أجامله عندما تأتي لحظة تقييم التمرين. وهو في ذلك لم يخطئ. بعد انتهاء المناورة، عرضت عليه وجهة نظري وأبديت له عدم اقتناعي لهذا الأسلوب في العمل. أخذني الجنرال على انفراد وقال لي بالروسية دون أن يقنعني بكلامه: «No chto tavaritch younas Président !» (لكن يا رفيق الرئيس هنا). أصبت بالدهشة. لأنه بالأحرى صار مسموحاً أن تشوه الحقيقة، طالما أن الرئيس كان يحضر مناورة.
• هل كان المصريون ضحايا سوء نية السوفييت أم أنهم كانوا متواطئين في هذه التزييفات غير النافعة وغير المجدية ؟ على أي حال، كان ذلك أحد عوامل هزائمهم المتكررة ضد الإسرائيليين. وفي يوم 6 جوان 1967، اكتشف العرب ذلك بما لا يدع مجالاً للشك. قبيل اندلاع حرب الستة أيام، علمت بأن المصريين الذين أرادوا أن يتخذوا المبادرة ويباغتوا الإسرائيليين، كانوا قد دعوا قادة أركان الدول العربية ليبلغوهم بذلك. لكن المفاجأة جاءت في الأخير من جانب الإسرائيليين الذين هاجموا الجيوش العربية على حين غرة وسمّروا طائراتهم الحربية منذ أولى ساعات الصباح.
• في ذلك الحين، كنت في الجزائر العاصمة. كنت أتتبع جزء من وقائع المعركة انطلاقاً من مقر المحافظة السياسية، وكان المقر الوحيد الذي يتوفر على أجهزة الكتابة عن بعد. وكانت تصريحات المصريين الانتصارية تتوارد بشكل غير منقطع. مع ذلك قررت أن التحق بوحدتي في الجنوب الغربي في حالة ما إذا احتاجتني قيادة الأركان. في طريقي أرغمتني عطب في السيارة للتوقف في مدينة الأصنام (الشلف حالياً)، وهناك سمعت عبر الإذاعة بأن الجيش الإسرائيلي دخل مدينة العريش التي كنت قد زرتها في السابق.
• فهمت بأنهم خسروا الحرب، لأن اجتياح العريش يعني أن الإسرائيليين تخطوا واقتحموا آخر صروح المصريين. في المساء وصلت إلى وحدتي. قائد أركاني، المرحوم محمد أوسليمان كان يتصنت إلى جهاز الراديو على مدار الساعة وكان يستمع أكثر للمحطات التي تنشر "الأخبار السارة". كان عارفاً بالنكسة، لكنه كان بنفس القدر يريد أن يوهم نفسه بنصر آت للعرب. محمد أوسليمان الذي عرف مدارس الشرق الأوسط، كان لحظتها منقسماً بين واقع الحرب المر وعواطفه الخاصة. مزيج من الحسرة والأمل الزائف.
• في الغد ظهراً، علمنا بأن القاهرة قصفت وأن الجنود الإسرائيليين وصلوا قناة السويس. على الطاولة، كانت الإذاعة تقصفنا بالأخبار المفجعة. لم يكن لأوسليمان سوى أن يسلم بالأمر الواقع فراح يجهش بالبكاء. دخل الثورة وهو صغير السن، وكان ذلك منذ أول يوم من اندلاع ثورة نوفمبر 1954 فهذا الرجل الذي يعد من الرعيل الأول من المجاهدين، وكنت أقدره وأحترمه كثيراً، لم يكن يقوى على مقاومة دموعه أمام ما كان يعتبره مذلة لكل العرب. كان للخبر أثر الصاعقة على الجميع، إلى درجة أن هناك من مات بأزمة قلبية. كما علمنا عبر الإذاعة بأن هناك فتيات حاولن الانتحار بعد أن رمين أنفسهن من الأعالي.

• القســم الثاني
• استعدادات للحرب
• كانت ترد إلينا أوامر تحضرنا للالتحاق بالشرق الأوسط. مجموعات حاشدة تحت قيادة النقيب عبد الرزاق بوحارة كانت تستعد للطيران إلى مصر، ولقد سبقه الرائد زرقيني وضباط آخرون أرسلوا كمستطلعين. كنا في حالة تأهب حينما أعلمنا بأن وجهتنا هي مصر. كنا آنذاك نملك ثلاث فرق مشاة متحركة، الأولى بقيادة النقيب عبد القادر عبد اللاوي، والثانية كانت تحت إمرتي، وأما الثالثة فكانت تحت قيادة النقيب محمد علاق. ولقد عيّنت فرقة رابعة، كوّنت لاحقاً ويقودها النقيب محمد علاهم، لاستخلافي في بحر شهر أكتوبر 1969.
• كانت الجزائر العاصمة في تلك الفترة في حالة غليان.
• تعزيزاً لمجموعة النقيب بوحارة، كانت هناك فرقة عتاد كبيرة بقيادة النقيب سليم سعدي، مدير النقل آنذاك، تبعت عبر الطريق البري. عند وصوله إلى ليبيا، تلقى النقيب سعدي أمراً بالعودة فور علم السلطات في الجزائر بنهاية الحرب. في طريق العودة، وجدوا استقبالاً آخر لدى التونسيين الذين كانوا في الذهاب قد استقبلوا القوافل بالزغاريد والأزهار والحلوى، ليس لأن الجيش الجزائري عاد من حيث أتى، وإنما لأن التونسيين مثلنا جميعاً شعروا بالذل والهوان لما علموا بأن العرب انهزموا بتلك السرعة. كانوا من شدة احتقانهم وقفوا طول الطريق مشيرين بأصابعهم المرفوعة باتجاه الشرق بحركة لم يخل من السخرية تدل أن رجالنا أخطأوا الطريق لأن مصر موجودة في الاتجاه المعاكس.
• بالإضافة إلى قواتها البرية، قامت الجزائر أيضاً بإرسال قواتها الجوية. أثناء نقل طائراتنا "ميغ 21" و"ميغ 17"، اثنتان منها اضطرتا للنزول على الحدود الجزائرية التونسية لأسباب تقنية، نتيجة ربما تحضير سيء أو تسرع. كان للرئيس بوركلب تعليق ساخر في الموضوع يقول فيه: "من حسن الحظ أنهم في حالة ما إذا حاولوا معنا لن يصلوا إلى تونس.." لأن جيراننا كانوا فعلاً يعتقدون بأن السلاح الذي تتزود به الجزائر قد يوجّه يوماً ضدهم. النقيب محمد بوزغوب، وهو حالياً عقيد متقاعد، كان يقلع من إحدى قواعد الجنوب الشرقي للجزائر مع سربين من طائرات "ميغ 17". بالإضافة إلى خمسة عشر طائرة من طراز ميغ 21 كنا اقتنيناها حديثاً. كان يقودها مصريون. كما أرسلت إلى الجبهة دبابات من طراز "تي 54" ومحركات آلية من نوع " SU 100" وآليات مدرعة. فور هبوط طائراتنا "ميغ 21"، حضرت بسرعة وأرسلت لتوها إلى مهمتها. الطائرات المصرية حطمت كلية على الأرض. إحدى الطائرات "ميغ 21 " الموشحة بالراية الجزائرية أسقطت فوق تل أبيب. والأدهى والأمر بالنسبة للمصريين، زيادة على كل الشائعات التي تروج حول نكساتهم، ما روي خطأ أن الطائرة الوحيدة التي مست إسرائيل كانت طائرة جزائرية. هذا الطيار المصري البطل يستحق منا وقفة نحييّ فيها ذكراه، لأنه رغم الهزيمة لم يتردد في إسقاط طائرته على طريقة الكاميكاز فوق عاصمة الدولة العبرية. في حديثنا عن هذا الشهيد المصري تعود إلى ذهني قصة هؤلاء الفلسطينيين الذين درسوا في الجامعات الجزائرية وفي المدرسة متعددة الأسلحة بشرشال والذين قررنا أن نجندهم ونعدّهم للقتال. بعضهم، وكانوا قلة، لم يستجيبوا للنداء. كانت فرصة لنا نحن الذين خرجنا مرفوعي الرأس من حربنا التحريرية.
• في بداية السبعينيات، كنت ضمن وفد أرسل إلى مصر لتسليم بعض التجهيزات للقوات العسكرية المصرية. كان الوفد تحت قيادة العقيد محمد الصالح يحياوي. حملنا رسالة من هواري بومدين يبلغ فيها وزير الدفاع المصري، اللواء محمود فوزي، استعداد الجزائر لأن تضع في متناول بلده ستين طائرة حربية، و150 سيارة مصفحة وما بين 75 و100 دبابة سيسلمها الاتحاد السوفيتي. على أن تتفاوض الجزائر على مجموع ذلك تدفع ثمنه. وفي الحقيقة إن المساعدة التي قدمتها الجزائر لمصر لم تحسب أبداً.
• لم ينقطع وصول المعدات والعتاد نحو بلاد الفراعنة رغم سوء التفاهم الذي حصل بخصوص 19 جوان 1965 والهجوم الذي فتحه الرئيس السادات على الدول المنضوية في جبهة الرفض في عام 1973، أثناء حرب الستة أيام، ونقلاً عن قائد أركان الجيش المصري، اللواء سعد الدين الشاذلي، انتقد الرئيس السادات البلدان العربية وبالأخص منها الجزائر ورئيسها هواري بومدين. يقول: "بومدين باع نفسه للأمريكان، سياسياً واقتصادياً. هو وقّع على عقد تسليم البترول والغاز المميع لشركات أمريكية. اقتصاده سيصبح مرهوناً كلياً بأمريكا." وهذا لم يمنع من أن نفس ذلك النفط وذلك الغاز استعملا كسلاح ضد الأمريكان بفضل مبادرات الجزائر ورئيسها. لكن الرئيس السادات وقع في تناقض، عند نهاية الحرب، في خطاب له قال: "لن نشكر أبداً الجزائر على ما قدمته من دعم لمصر.."
• ظل سوء التفاهم يطبع العلاقات بين مصر والجزائر. منذ حرب التحرير، إثر التدخلات فتحي الذيب السافرة في شئون الجزائر الداخلية ومناوراته الكثيرة. وكان سوء التفاهم أيضا ناتج عن المحاولات الاستفزازية المصرية أثناء العملية التصحيحية 19 جوان 1965 وكذلك أثناء تفكيك مستودعاتنا التي تعود إلى زمن حرب التحرير. كان رد الفعل الوحيد للرئيس بومدين في عام 1971، أن عقد اجتماعا لمسئولي الفرق التي ذهبت إلى مصر مكلفة بإحصاء عدد الشهداء، وكانوا بضعة عشرات. لأن الجزائر دفعت ثمناً غالياً من أجل أن تعتز دائماً بماضيها العربي.
• بعدما هضم الجميع الهزيمة، بدأت إعادة النظر في التعبئة العامة لوحدات الجيش الوطني الشعبي. وكان قرار الإبقاء بصفة دائمة على فرقة واحدة على مسرح العمليات المصرية، تم اتخاذه من باب بالاستخلاف. ولقد عينت فرقتي لأداء هذه المهمة. تمركزت في عين الصفراء، وكانت تتألف من ثلاثة فيالق، كل فيلق يتشكل من ستمائة رجل، ومن فيلق يضم 31 دبابة من طراز "تي 55"، ومن فوج مدفعية (بطاريتين ذات مدى بعيد معيار 122 ملم وبطارية قذائف 152 ملم)، ومن فوج دفاع مضاد للطيران وبطاريتين أنبوبيتين 35 ملم وبطارية 14,5 ملم فوق عربات رباعية. وكانت تتكون أيضاً من خمسة كتائب نقل وإرسال واستطلاع للقيادة والخدمات. وتلقينا في وقت لاحق كتيبة سادسة للهندسة.
• في أكتوبر عام 1968، تلقيت أمراً بالاستعداد للذهاب إلى مصر وباستخلاف الفرقة التي كانت يقودها النقيب عبد القادر عبداللاوي. بينما كانت مجموعة النقيب بوحارة وفرقة النقيب عبداللاوي تتناوبان على مدار كل ستة أشهر، كانت القيادة الجزائرية، ربما بعدما رأت أن الحرب قد يطول أمدها، قررت أن تكون الإقامة في المستقبل لمدة سنة لكل فرقة، على أن يبقى كل العتاد هناك. فالاستخلاف يخص فقط الرجال. كان قراراً حكيماً، لاسيما وأن الجزائر كانت جغرافياً بعيدة جداً عن الشرق الأوسط وأن وحداتها تلبي دائماً لنداء الواجب. كان ذلك الحال عام 1967، قبل أن يتكرر نفس السيناريو عام 1973.
• لكن هذا بشرط أن تكون الثقة في الجزائر كبيرة. وهذا ما كان يراه الرئيس السادات قبل أكتوبر 1973 الذي قال، في اجتماع مع قائد أركانه وضباط الجيش المصري، بأسلوب تهكمي رداً على سؤال للشاذلي سأله إن كان سيتخذ مبادرة من أجل تجنيد الطاقات العربية أم أن المعركة ستكون مسئولية فدرالية بلدان الرفض وحدها: "إن المعركة ستكون من مسئولية مصر بالأساس. الدول العربية الأخرى ستبقى على الهامش، دون فعل شيء في البداية. لأنها ستقع فيما بعد في مشاكل كبيرة مع شعوبها، وموقفها سوف يتغير."
• في عين الصفراء، كل العسكريين كانوا يعرفون أنهم ذاهبون إلى الجبهة في مصر. وكلهم راحوا يعلقون على الموضوع. وكلهم فرحين بالسفر إلى الخارج. كان عليهم بعض القلق، لكن ليس كثيراً لأن الحرب يعرفونها جيداً، هم الذين خاضوا كم من معركة في حياتهم. لأن معظم عناصر وحداتنا الذاهبين إلى الشرق الأوسط مروا بحرب التحرير.
لحلقة الثالثة - نزار يواصل حديثه عن حروب الإستنزاف.. ويكشف
وزراء وولاة يحجُّون إلى العرّافين لاستكشاف ما يخبئه المستقبل
2009.05.12
تأليف اللواء المتقاعد: خالد نزار

دورية مع العقيد محمد بن أحمد عبد الغني في الشرق الأوسط
كان القائد بوستّة يُشرفُ على وحدة مدفعية، ولما اقترب موعد سفرنا رأيته يتصرف بطريقة غير عادية، كان يبدو وكأن شيئا ما يُضايقه أو يُقلقه. واعترف لي أنه وبعضَ ضباط اللواء ذهبوا لمقابلة عرّاف مشهور في منطقة عين الصفراء، وأنه أخبره بأسراره الخاصة المتعلقة بعائلته، وهي أسرار لم يكن يعرفها سواه. وهذا ما أربكه.
• العرّاف
• بدأت في مداعبة القائد بوستة وأنا أثني عزمه عن التعاطي مع هذه الخرافات، ولكن ذلك لم يكن ممكنا. لقد كانت هذه المعتقدات الغيبية تزعجني غير أنني تجنبت توبيخه أو إظهار سخطي من إثارة هذه المواضيع. ولم أجد بُدّا من قطع حديثي معه.
• أياما بعد ذلك، وعندما كنت عائدا من جولة قادتني إلى بعض المناطق المجاورة، وفي الوقت الذي علّقت فيه بندقيتي على الحائط، فإذا بطارق يقرع باب بيتي.
• كنت حينها لا أزال أعزب، وقمت بتهيئة بيت من غرفتين في الثكنة نفسها. ولما فتحت الباب وجدت نفسي قبالة القائد بوستة الذي بدا مشوشا. وسألته، متفاجئا، عما حدث له، فاعترف على الفور بأنه عاد لتوه من عند ذلك العراف برفقة بعض رفقائه، وأن العراف خاطبهم بهذه الكلمات: "قائدكم لا يسلم بقدراتي.. أحضروه فقد دخل لتوه إلى الثكنة". فرددت عليه مازحا بأن أحد رفقائه هو الذي أخبر العراف مسبقا، لكن بوستة الذي كان أسير معتقداته الخاطئة دافع عنه وأقسم بجميع الأولياء على أنه لم يكن أحد على علم بأنني ذهبت إلى الصيد، رغم أن الجميع كانوا يرونني نهاية الأسبوع وأيام العطل سائحا في المنطقة، لاسيما "طكوت" المعروفة بمناظرها الخلابة. لقد كانت منطقة عين الصفراء مليئة بالطرائد التي تُصاد، ولهذا لم أكن أتخلى عن بندقية الصيد التي بحوزتي أبدا.
• رافقت القائد بوستة إلى العراف بدافع الفضول، ودهشت من المكان الذي يتواجد به، فلقد كانت هناك قاعة استقبال وفي مدخلها أناس مكلفون باستقبال الزوّار، وتم إدخالنا بعد ذلك إلى قاعة كبيرة كانت بمثابة صالة الجلوس.
• سلمت على العراف الذي تعرفت عليه بلا عناء بسبب مظهره المميز في نفس الوقت الذي لمحت فيه بعض الضباط وقد أسندوا ظهورهم إلى ظهر الحائط وجلسوا على كراسيّ صغيرة أو فوق الحصير. واستقبلني العراف الذي بدا بشوشا وحفيا بلطافة كبيرة. وتحفظت على أن أطلعه على رأيي في تنبؤاته التي يطالبه بعض الضباط بإعادتها، وأنني لا أؤمن بها أصلا، ثم أجلسني عن يمينه وطلب من ابنه إحضار الشاي. وقدّم له شخص ثان ـ وكان ابنه الآخر (وقد عرفتُ ذلك فيما بعد) ـ رزمة تشبه البريد. رحب بي العرّاف ورفض الانصياع للضباط رغم إلحاحهم، حيث كان يُكرر كثيرا بأنه ليس كاهنا.
• كان العراف مثقفا باللغة العربية وذكيا، وهو ما دفعه إلى تجنب مصادمة معتقداتي بدهاء، وكان يكتفي بترديد عبارة "تروحوا بالسلامة وترجعوا بالسلامة". وبدأ يراجع بريده وكلما صادفته رسالة بالفرنسية ناولني إياها. ووقعت في يدي رسالة من فرنسا، فحتى المغتربون كانوا يستنجدون بهذا العرّاف. عندما قرأت الأسطر الأولى من الرسالة، شرعت في الضحك، فخطف صديقي العرّاف الرسالة من بين يديّ وصرخ: "هذا الرجل لا يعي ما يقول". لقد ترجاه كاتب الرسالة بأن يُعينه ليفوز في رهان سباق الأحصنة!
• في حقيقة الأمر، كان العرّاف يستغل "موهبته في الكهانة" للتكسب التجاري المربح. وعرفت أن كثيرا من المسؤولين كانوا يزرونه، بمن فيهم وزراء وولاة.
• واستحضرتُ كلمات هذا العراف سنوات بعد ذلك: "تروحوا بالسلامة وترجعوا بالسلامة". ولقد ظفر لمكره ودهائه بأحسن جواب، وهي عبارة رائجة عند الجميع وتبعث على الارتياح كما تعزز القدرات المتوهمة التي يحظى بها هذا الكاهن.
• ودقت الساعة الحاسمة من أجل الذهاب. وكان مبدأ المناوبة واضحا وبسيطا، فالفوج الآتي يستلم مهام الفوج الذي انتهت مهمته وهكذا دواليك، ثم جاء الدور على وحدات القيادة وقيادة القوات نفسها. وكان قائد اللواء آخر من يسافر، لأنه مكلف بتحميل الجميع. وكانت العشرون يوما المخصصة للمناوبة كافية للجميع لأخذ التعليمات، سواء كانوا ضباطا أو ضباط صف أو رجال فرقة، وكان الوقت كافيا بالنسبة إليهم ليتعودوا على التجهز للحرب، في حين كان قائد اللواء آخر من يسافر لأن مهلة اليومين تُعتبر جد كافية لحفل تسليم المهام والصلاحيات.
• كانت وحدات الجيش المتواجدة بمصر تتقاضى راتبا مضاعفا وتحظى بتموينات غذائية لم تكن متواجدة في عين المكان. وكانت العلاوات التي تدفع للغذاء وغيره هي نفسها للجميع، وهي تماثل ما كان يُمنح لنا في الجزائر، وهو ما جعل مستوى المعيشة يتضاعف إلى ثلاث بل أربع مرات. وفي كل أسبوع، كانت طائرة من طراز "أنطونوف12" مكلفة بالتموين والبريد تحط في القاهرة، كما أن قائد اللواء كان يحظى بسيارة خدمة. وكان الإقلاع يتم من القاعدة الجوية بـ"طفراوي"، المحاذية لمدينة وهران في الغرب الجزائري.
• استقرّيت في مصر منذ أيام من أجل التحضير لنقل اللواء إلى مصر رفقة قائد القاعدة امحمّد بن شرشالي، وهو عسكري مدرب لهذا النوع من المهام، وتولى اللواء الأول، علما أنه كان صديقا قديما لي.
• كنت أعرف بعض الضباط الطيارين والبحريين من الجيش الجزائري، وكنا نشترك في أشياء كثيرة كانت تجمعنا، فلقد كنا لامبالين، وهذه اللامبالاة هي التي كانت تمنحنا اندفاع الشباب وحماسته، وكنا نحلم بمشاريع كثيرة.. لم نكن حينها نتجاوز 24 أو 25 سنة مع حوالي 4 إلى 5 سنوات من الخبرة والتمرس الذي حصلنا عليه في الجبال.
• نُضج ووعينا ونحن لا نزال في مقتبل العمر يرجع إلى قيادتنا لآلاف الرجال "ذوي الشنبات" ممن ساهموا في الثورة التحريرية، ولم نعرف المراهقة ولهذا تشكلت في داخلنا رقابة ذاتية جعلتنا نختبئ إذا ما أردنا أن نقوم بما يقوم به الشبان في أعمارنا، مثل الجلوس في سطح مقهى أو الذهاب إلى مرقص.
• كنت قبلها قد استقبلت امحمّد بن شرشالي، محاطا ببعض الضباط، في قاعدة "المشرية" أثناء التوقف للتزود بالوقود. وفي تلك الفترة، لم تكن وضعية حدودنا الغربية على ما يرام، ولم تكن جراح "حاسي البيضاء" قد التأمت بعدُ، وكان امحمّد يشيع طائرة استطلاع من طراز "ياك2" حول منطقة "تندوف" وكنت سعيدا بلقائه، لأنه قد كان إضافة إلى الصداقة التي تربطنا طريفا وجذابا ووديا، كما أنه كان سريع التجاوب وحاضر البديهة فيما يتعلق باختيار الكلمات المضحكة والطريفة.
• استضافني امحمّد يوما ونحن عائدان إلى الجزائر وطلب مني التوقف في البليدة من أجل الغداء والتعرف على والديه، وقد كان سليل عائلة ميسورة الحال تشتغل في التبغ وتضررت من سياسات التأميم. وكان والده وطنيا من الطراز الأول ومنذ الساعات الأولى، وتحول من صاحب أملاك إلى موظف في مصنعه، وقد قدمت عائلة "بن شرشالي" الكثير للجزائر، حيث استشهد أخوه مصطفى في الجبل عام 1957، كما أن امحمّد نفسه كان مجاهدا، وكذا شقيقه نور الدين.
• كنا نسافر أنا ورجالي على متن طائرة "أنطونوف12"، وكنا نُسند بطائرات مصرية. وكان الضباط طرابلسي وجيلالي تيمولغي، وهما حاليا طياران ضمن الخطوط الجوية الجزائرية، وسْليم بن عبد الله الذي شغل لفترة طويلة منصب طيار الرئيس وهو حاليا عميد لا يزال ضمن الخدمة، ورشيد بوتلّة ومحمد بولهزاز ومصطفى دواجي ودرّاجي وصويلح ضمن آخرين نسيتهم، وهم جميعا في التقاعد، كان أولئك هم الذين يقودون الطائرات الست التي كنا نملكها في ذلك الوقت.
• كنا ونحن شبان نحلم، بُعيد الاستقلال الذي أخذناه بجدارة، بجزائر عظيمة. لقد كان أولئك الطيارون في زهرة عمرهم وهم يجوبون السماء معرّضين حياتهم للخطر وهم لا يملكن سوى بعض التجربة التي تحصلوا عليها بعد خروجهم من المدارس. لقد امتطوا طائراتهم دون تردد لأنهم اعتقدوا أن حلمهم حقيقي. وكانوا مرابطين على الثغور ليل نهار، على مدار تعاقب الوحدات العسكرية الجزائرية في الشرق الأوسط. لقد كانوا يحلقون في أوضاع جد مزرية، متحدين الأعاصير على علو 4000 متر من سطح الأرض، ولم يكن في طائراتهم سوى قمرة قيادة صغيرة مكيّفة الضغط ولا يمكن أن تحمل أكثر من عشرات الأشخاص الجالسين.
• في يوم من الأيام كان الملازم الأول محمد بولهزاز على متن طائرة "أنطونوف12" وفجأة تعطّل رادار الملاحة منذ الإقلاع من المطار العسكري بطفراوي، وأكمل رحلته وهاجسه الوحيد هو الوصول في الوقت المحدد، وكان يأمل في أن يُجري الإصلاحات على الطائرة عند توقفه في بن غازي أو في طرابلس بليبيا، ولكن لما لم يتمكن من ذلك كما خطط له واصل رحلته إلى القاهرة مستعينا بجهاز إرساله اللاسلكي ليتجنب العواصف، وقد كان يتجنبها مناورا ذات اليمين وذات الشمال مستدلا عليها بالصوت الذي يصله عبر السماعات جراء الاضطرابات الكهربائية.
• كنت متواجدا في الطائرة التي كان يقودها سْليم بن عبد الله، وبعد غفوة صغيرة وعلى مقربة من القاهرة دخلت إلى قمرة القيادة، وتفاجأت وأنا أرى ضوءا أزرق يغطي قبة الطيّار، وسألتُ الطيّار عن معنى ذلك فأكد لي بن عبد الله بأن هذا أمر عادي وهو عبارة عن الكهرباء الساكنة التي تتولد جراء بعض الظروف المناخية. وتعلمت، في نفس الموقف، أن الطائرة التي سبقتنا، وهي من نفس الطراز، قد أصيبت بصاعقة، وكان يقودها محمد طرابلسي الذي أعلمنا بالأمر فور حدوثه عبر جهاز اللاسلكي، واضطربت الطائرة كما تشكلت كرة نارية داخلها، مما أحدث هلعا في صفوف الـ90 جنديا المتواجدين بالداخل كادوا ويهربون إلى المقدمة لولا التدخل القوي للطاقم الذي حال دون حدوث اختلال توازن داخل الطائرة. وأعلمنا طرابلسي مرة أخرى عبر الجهاز اللاسلكي أن الأمور عادت إلى طبيعتها دون أي حادث.
• عندما حطت بنا الطائرة بعد عشرات الدقائق من هذه الواقعة، تجمع حولنا ضباط جزائريون ومصريون، ولمحتُ مع سْليم بن عبد الله تمزقا في هيكل الطائرة التي تعرضت للصاعقة يمتد من أنفها إلى كافة الهيكل، فأصابنا الذهول وعرفنا أنهم كانوا جد محظوظين عندما لم يُصابوا بأي أذى.
• وفي سفرية أخرى، اهتدى أحد أولئك الطيارين الشباب وقد وجد نفسه في أحوال جوية سيئة للغاية وعرف أنه لا يمكنه التحليق في هذه الظروف على هذا الارتفاع ولا يمكنه حتى الرجوع إلى القاعدة، اهتدى إلى تجميع كل الرجال المتواجدين داخل الطائرة في قمرة القيادة مكيفة الضغط وحلق بهم على ارتفاع 8000 متر، وهذا ما جعله يتجنب سوء الأحوال الجوية ويُنقذ طائرته وعددا كبيرا من الأرواح البشرية.
• أثناء الفترة التي كان يتطلبها نقل الوحدات العسكرية نحو الشرق الأوسط، مكثت في مدينة وهران، حيث كنت أقيم أحيانا في مقر إقامة الضباط وأحيانا عند بعض الأصدقاء، وكنت أستريح في الصباح وألتحق بالوحدات العسكرية التي تصل إلى وهران بعد الزوال، وذلك في منطقة التجمع والانتظار. وكان ذلك يتم في ثكنة مجاورة لمدرسة "طفراوي" وقد وضعتها القيادة تحت تصرفنا. وكانت تتميز بكونها فسيحة الأرجاء ونظيفة، كما أنها كانت مجهّزة لتمكن الوحدات المارة من الإقامة فيها ليلة أو ليلتين من أجل الاستراحة، وكانت كذلك مهيئة لتحضيراتهم وتزويدهم بالمعدات.
• كانت وهران في أوج ألقها وجمالها، وكان الفرنسيون قد غادروا مرسى الكبير قبل المدة المحددة ولم تجد بيوتهم المهجورة من يسكنها. وعندما أعلن بومدين النفير في "طفراوي" في عام1971، كانت شبابيك النوافذ في الشقق التي تخلى عنها المستعمر في "فالمي"، وهي قرية كنت أمر عليها مرتين في اليوم عندما كنت أتوجه إلى "طفراوي"، كانت شبابيك النوافذ تصطفق بفعل الرياح وبسبب عدم وجود السكان. وقتها، لم يكن الهجوم واقتحام البيوت والمساكن أمرا شائعا. ولم يبدأ "النزوح" إلا بعد 1971، غداة الثورة الزراعية.
• ترجمة: مصطفى فرحات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://creation-bordj.ba7r.org
 
خالد نزار في جبهة القتال
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الابداع - برج أخريص :: منتدى الشخصيات الجزائرية-
انتقل الى: